الحلبي

114

السيرة الحلبية ( إنسان العيون في سيرة الأمين المأمون )

مكة ، فقال عمر وهو يضحك إليهم : واللّه لو جئتموني بأبي سفيان ما زدتم ، فقالوا : واللّه أتيناك بأبي سفيان ، فقال : احبسوه ، فحبسوه حتى أصبح ، فغدوا به إلى رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم انتهى ، وفيه ما لا يخفى ، فإن الجمع بينه وبين ما قبله بعيد . قال العباس : ولما قال لي رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم « اذهب به يا عباس إلى رحلك » فذهبت به ، فلما أصبح غدوت على رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم أي بعد أن نودي بالصلاة وثار الناس ، ففزع أبو سفيان وقال للعباس يا أبا الفضل ما يريدون ؟ قال الصلاة . وفي رواية : ما للناس ؟ أأمروا فيّ بشيء ؟ قال : لا ولكنهم قاموا إلى الصلاة ورأى المسلمين يتلقون وضوء رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ثم رآهم يركعون إذا ركع ويسجدون إذا سجد ، فقال للعباس : يا عباس ما يأمرهم بشيء إلا فعلوه ، فقال له العباس : لو نهاهم عن الطعام والشراب لأطاعوه ، فقال : ما رأيت ملكا مثل هذا لا ملك كسرى ولا ملك قيصر ولا ملك بني الأصفر ، ثم قال للعباس : كلمه في قومك هل عنده من عفو عنهم ؟ فانطلق العباس بأبي سفيان حتى أدخله على رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ، فقال له رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم : ويحك يا أبا سفيان ، ألم يأن لك أن تعلم أنه لا إله إلا اللّه ؟ قال : بأبي وأمي أنت ، ما أحلمك وأكرمك وأوصلك ، لقد ظننت أنه لو كان مع اللّه إله غيره لما أغنى عني شيئا بعد ، قال : ويحك يا أبا سفيان ، ألم يأن لك أن تعلم أني رسول اللّه ؟ قال : بأبي أنت وأمي ، أما واللّه هذه فإن في النفس حتى الآن منها شيئا . قال : وفي رواية أن بديلا وحكيم بن حزام لم يرجعا بل جاء بهم العباس ، وأن العباس قال : يا رسول اللّه أبو سفيان وحكيم بن حزام وبديل بن ورقاء قد أجرتهم وهم يدخلون عليك ، فقال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم : « أدخلهم ، فدخلوا عليه ، فمكثوا عنده عامة الليل يستخبرهم ، أي عن أهل مكة ، ودعاهم إلى الإسلام ، فقالوا نشهد أن لا إله إلا اللّه ، فقال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم : « اشهدوا أني رسول اللّه » ، فشهد بذلك بديل وحكيم بن حزام ، فقال أبو سفيان : ما أعلم ذلك ، واللّه إن في النفس من هذا شيئا فأرجئها انتهى : أي أخرها إلى وقت آخر . وفي أسد الغابة أنه صلى اللّه عليه وسلم ، قال ليلة قرب من مكة في غزوة الفتح : إن بمكة أربعة نفر من قريش أربأ بهم عن الشرك وأرغب بهم في الإسلام : عتاب بن أسيد ، وجبير بن مطعم ، وحكيم بن حزام ، وسهيل بن عمرو ، أي وهذا يدل على القول بأن جبيرا أسلم يوم الفتح كمن ذكر معه . وذكر بعضهم أنه أسلم بعد الحديبية وقبل الفتح . فقال العباس رضي اللّه عنه لأبي سفيان : ويحك أسلم واشهد أن لا إله إلا اللّه وأن محمدا رسول اللّه قبل أن تضرب عنقك ، فشهد شهادة الحق فأسلم .